ليس بالدبّابات... بل بشروطٍ تجعل «اللا» مكلفة، و»النعم» تسوية، والقرار الأوروبي بنداً قابلاً للتسعير. هنا لا تُرسم الحدود على الخرائط... بل تُكتب على الفواتير. هل يغزو دونالد ترامب، الرئيس السابع والأربعون للولايات المتحدة، أوروبا؟ إن كان الغزو دباباتٍ فالإجابة لا، أمّا إن كان الغزو إعادةَ هندسةٍ لمعنى السيادة فتُدار خيارات أوروبا بالكلفة والضغط والإيقاع، فدافوس لم يكن خطاباً مطمئناً، بل إعلاناً عن مرحلةٍ تُدار فيها القارّة بالشروط لا بالخرائط.
قال ترامب إنّه لن يستخدم القوّة للاستحواذ على غرينلاند، ثم عاد ليطالب بمفاوضاتٍ فورية عليها، وفي هذه المفارقة تحديداً وُلد السؤال الحقيقي: إذا كانت القوّة ليست الأداة، فما الأداة إذاً؟ الجواب ليس سياسياً صرفاً، بل جيواقتصادي: ديبلوماسيةٌ تُسعِّر السيادة، وتُصعِّد الكلفة، وتبحث عن اليد العُليا قبل أن يبدأ التفاوض أصلاً.
في دافوس، وعلى هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، قدّم ترامب ما يشبه «تهدئةً لفظية» حين قال إنّه لن يستخدم القوّة للاستحواذ على غرينلاند، ثم عاد فوراً ليطلب مفاوضات فورية، وليضع أمام أوروبا وحلف شمال الأطلسي معادلةً لا تُقال عادةً بين الحلفاء بهذا القدر من الصراحة: إمّا موافقة تُستقبل كـ«امتنان»، وإمّا رفضٌ تُرافقه «ذاكرة» سياسية لا تنسى. هذه ليست لغة حربٍ عسكرية، بل لغة حرب شروط؛ حربُ عقولٍ وتكتيكاتٍ ومنسوب ضغطٍ محسوب، هدفُها أن يدخل الطرف الآخر إلى التفاوض، وهو يشعر أنّه يدافع عن نفسه، لا أنّه يفاوض من موقع سيادةٍ كاملة.
وهنا بالضبط يصبح عنوان «يغزو أوروبا» مفهوماً لا مبالغة. الغزو الجديد ليس احتلال أرض، بل احتلال مساحة القرار الأوروبي، لا عبر بندقيةٍ على الحدود، بل عبر تحويل السيادة إلى «فاتورة» اقتصادية، والموقف السياسي إلى كلفةٍ قابلة للقياس. فالتلويح برسومٍ جمركية تبدأ ثم تتصاعد لا يعمل كخبرٍ تجاريٍّ عابر، بل كمنظومة ضغطٍ تُجبر العواصم على إعادة حساب الموقف وفق جدول خسائر وأرباح: كلفةٌ على التجارة، النمو، وعلى سلاسل الإمداد. وعند هذه النقطة تحديداً، لا يعود الصراع نقاشاً «قانونياً» عن مبدأ السيادة، بل صراعاً على مَن يملك حقّ تسعير الخيارات أمام أوروبا.
ومع ذلك، الأكثر فاعلية في خطاب دافوس أنّه لم يقدّم المسألة بوصفها «نزاع ملكية»، بل بوصفها «أمناً عالمياً». قال ترامب إنّ غرينلاند ضرورية للأمن، بل ذهب إلى حدّ القول إنّ الولايات المتحدة وحدها قادرة على «تأمينها». هذه الصياغة تُعيد تعريف المشكلة: بدل أن تكون المسألة «سيادة الدنمارك وغرينلاند»، تصبح «كفاءة الأمن»، وبدل أن يكون الرفض موقفاً سيادياً مشروعاً، يصبح «تعطيلاً» لضرورةٍ كونية. وهكذا تُستدرَج أوروبا إلى منطقٍ جديد: أن تُبرّر سيادتها أمام خطابٍ يصوغها، ضمنياً، كعقبةٍ في وجه أمنٍ يُقدَّم على أنّه قدرٌ عالمي.
لكن خلف مفردة «الأمن» يكمن جوهرٌ اقتصاديٌّ أكثر قسوة: مَن يكتب الشروط يملك المكاسب. وهنا تدخل عقيدة Trumponomics Doctrine لا كزينةٍ تحليلية، بل كخريطةٍ تُفسّر لماذا بدا نفيُ «القوّة» أقلَّ أهمّية من هندسة الضغط نفسها؛ فالعقيدة تقول ببساطة إنّ النفوذ لا يُقاس بما تملكه على الورق، بل بما تستطيع فرضه كواقعٍ عملي عبر التجارة والرسوم وسلاسل الإمداد والطاقة. لذلك تضع في الواجهة مفهوم «الهيمنة على الموارد» بوصفه قدرةً على التحكّم بشروط الوصول إلى المعادن والممرّات والأسواق، وتضع معه «مصلحة الإيرادات الخارجية» كمنطق نقل الكلفة إلى الخارج، وتستند إلى «سيادة الطاقة» بمعناها العملي: توسيع وفرة الداخل ليصبح الضغط على الآخرين «كلفةً عليهم» لا «كلفةً عليك»، وهو ما يلخّصه شعار ترامب الشهير: Drill, Baby, Drill، أي الدفع نحو مزيدٍ من الحفر والإنتاج لزيادة الإمدادات وتقليص الارتهان للغير. وكل ذلك يُدار عبر «سرديّة الحرب الجيواقتصادية»: أي صناعة روايةٍ تُقنع العالم أنّ الإكراه «واقعية»، وأنّ فرض الشروط «حماية»، وأنّ تغيير القواعد «ضرورة» لا عدوان.
إذا طُلب اختصار دافوس في جملة واحدة خارج التحليل السياسي المعتاد، فهي التالية: ترامب لم يلغِ الهدف؛ بل غيّر أداة الوصول إليه. انتقل من منطق «الاستحواذ بالقوّة» إلى منطق «الاستحواذ بالشروط»، ومن لغة الحرب إلى لغة الديبلوماسية الجيواقتصادية التي تحوّل الرفض إلى كلفة، ثم تُعيد تصنيف الكلفة كمسؤولية على الرافض لا على المُطالب. ومن هنا تُفهم المفارقة التي تُربك العناوين السطحية: قد يُخفّف الخطاب من حدّة المصطلحات، لكنّ هيكل المطالبة وإيقاع التهديد وسقف الرسوم كلها تتحرّك بمنطقٍ واحد: كتابة شروط الوصول إلى الموارد والممرّات والتموضع، وإقفال أبواب المنافسة عبر «القواعد» لا عبر «الاحتلال».
ثم تأتي «سيادة الطاقة» كوقود هذا النوع من الغزو النفسي والتكتيكي. حين يكون الخطاب المركزي هو وفرة الداخل، يصبح الضغط على الخارج أسهل، لأنّ صاحب الفائض يتعامل مع الكلفة بوصفها أداةً يمكن تحمّلها، بينما يتحمّلها الطرف الآخر بوصفها تهديداً مباشراً لاقتصاده وصناعته وتماسكه الاجتماعي. وهذه ليست فقرةً عابرة في Trumponomics Doctrine، بل ركيزة تشرح كيف يصبح «الاقتصاد» شرطاً على «السياسة»، وكيف تُدار المعادلات الكبرى بلا إطلاق نار.
أمّا ما يجعل اللحظة أخطر من «تبادل تصريحات» فهو إدخال الناتو في معادلةٍ اقتصادية علنية. حين يُقال للحلفاء: لا تعرقلوا، وإلّا «سنتذكّر»، فهذا ليس خطاب شراكة؛ إنّه اختبارٌ لحدود الطاعة داخل التحالف، وتحويلٌ خفيّ للناتو من مظلّة أمنية إلى منصة تمرير شروط. وهنا يصبح الصراع حِيوبوليتيك لا عسكرياً: معركة تعريف السيادة، ومعركة مَن يضع قواعد اللعبة، ومعركة مَن يملك حق تفسير «الأمن» بوصفه تفويضاً اقتصادياً، لا مجرّد التزام دفاعي.
الخطير في دافوس ليس أنّ ترامب خفّف نبرة القوّة، بل إنّه نقل مركز الثقل من «القوّة» إلى «الجدولة»: كلفةٌ تتدرّج، ضغطٌ يتصاعد، ومعادلةٌ تُدار على مهلٍ حتى تُصبح البدائل محدودة. هذه ليست أزمة غرينلاند فحسب، بل اختبار أوروبا أمام نموذجٍ جديد للحكم: أن تُساق القارات بالاقتصاد كما كانت تُساق بالسلاح. ومن هنا يبدأ الفصل الحقيقي: إمّا أن تفهم أوروبا أنّ ما يجري ليس خلافاً عابراً، بل هندسةٌ لواقعٍ جديد، وإمّا ستستيقظ لاحقاً لتجد أنّ دافوس لم يكن منتدى... بل كان توقيعاً غير مرئي.